أول عبارة نسمعها عادة في المؤسسات البحثية هي أن هدف البحث هو المعرفة بحد ذاتها ، بغض النظر عن التطبيق الذي




يرتبط به . هذه العبارة تستفز بعض الناس خصوصا في أماكن لا تزال تعاني من مشاكل كثيرة ، والسؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا ؟ لماذا هذا الترف العلمي ؟ ألا تملك البشرية ما يكفي من المشاكل لإيجاد الحلول لها ؟ أليس ذلك أفضل بكثير من إنفاق المليارات في أبحاث لا طائل حقيقي من ورائها مثل أبحاث الفضاء ؟
للإجابة عن هذه التساؤلات سنضرب المثال التالي : لاحظ عالم النبات روبرت براون في عام 1827 أن نثر غبار الطلع على الماء يؤدي إلى اهتزازه بطريقة غريبة على سطح الماء ، وذلك باستخدام المجهر ولمن يهمه الأمر ، ظهر أول مجهر عام 1590 . والسؤال الذي أود أن أطرحه على القراء قبل المتابعة ، كم تظن أنه يجب أن ننفق لإجراء أبحاث علمية تدرس هذه الحركة ؟ فكر قليلا قبل أن تتابع القراءة .الواقع أن الذي حل لغز هذه الحركة هو ألبرت أينشتاين في ورقة بحثية نشرها عام 1905 ، وهي واحدة من ثلاث أوراق نشرها في ذلك العام . وتعتبر هذه الأوراق الثلاثة من أهم الأوراق البحثية في الفيزياء . وفي هذه الورقة بين أن هذه الحركة هي الدليل التجريبي لوجود الذرة ، وقد تمكن عبر هذه الحركة من حساب نصف قطرها . وفي نفس العام نشر الورقة الثانية وتتعلق بالنظرية النسبية الخاصة هنالك نظرية نسبية عامة نشرها أينشتاين بعد عشر سنوات من نشره النظرية النسبية الخاصة . وفي النظرية النسبية الخاصة برهن أينشتاين أن المادة هي أحد أشكال الطاقة ، وأوجد العلاقة الشهيرة بين الطاقة والكتلة :mc^2=Eوهذه العلاقة تعني أنه يمكن أن نقوم بتحويل الكتلة إلى طاقة ، وأن كمية قليلة من الكتلة تؤدي إلى طاقة هائلة لأن c هو سرعة الضوء . وهذه الأوراق الثلاثة شكلت الدافع الأساسي لبناء المفاعلات النووية . والحقيقة أن أينشتاين لم يكن بباله أصلا هذا الموضوع ، ولم يكن يعلم عندما بدأ بحثه بأن النظرية النسبية الخاصة التي ظهرت أصلا لتفسير سلوك غريب للضوء ستكون سببا في أحد أهم إكتشافات القرن العشرين وستسهم في تحقيق الرفاه والمصائب أيضا لبني البشر .لنفكر الآن بالطريقة المقابلة ، بمعنى لننطلق من المشكلة ولنحاول إيجاد الحل . ترى لو اجتمع العلماء وحاولوا أن يحلوا مشكلة الاستهلاك الكبير للطاقة ، هل كان من الممكن أن يصلوا إلى هذه العلاقة ؟ الجواب هو لا ، لأن هذه العلاقة تحتاج حتما إلى دراسة سلوك الضوء الغريب والوصول إلى النظرية النسبية ، الأمر الذي لا علاقة له أصلا بالطاقة . ويعرف ذلك كل من أطلع على النظرية النسبية وآلية استنتاجها .وبعض الناس يظن أن الإنجازات العملية تكون نتيجة للتجارب فقط وتستخدم قصة أديسون واختراع المصباح كدليل ساذج على هذا الطرح ، وهذا من الأخطاء الشائعة . فالإنجازات العلمية - بشكل عام - تكون نتيجة للجانب النظري وليس للتجارب . والجانب النظري يتم بناؤه عن طريق التجربة . بمعنى أن تجربة أو ظاهرة ما تستدعي إيجاد تفسير لها ، وهذا التفسير يستخدم في إيجاد التطبيقات العملية .وهذا ما يسمى المنهج التجريبي العلمي . أي أن نتأكد من النموذج النظري عن طريق التجربة . وهذه نقطة مهمة ، فعندما يكون العائق لتحقيق إنجاز معين في الجانب النظري ، فإنه من العبث أن نحاول إيجاد التطبيق عمليا . فمثلا ما تزال هنالك مشكلة جوهرية في إيجاد نظرية فيزيائية تسمح بالسفر عبر الزمن إلى الماضي الأمر مختلف بالنسبة للمستقبل ، فنحن عمليا نسافر بشكل طبيعي في المستقبل . وبالتالي قبل إيجاد حل نظري لهذا الأمر ، فإنه من العبث محاولة بناء جهاز يسمح بذلك .وهذا هو أحد أهم دوافع أبحاث الفضاء ، فالنظرية النسبية العامة مثلا لا يمكن اختبارها على سطح الأرض ، وتحتاج إلى حقول جاذبية شديدة جدا مثل الثقوب السوداء لإظهار تأثيرها . ومن أهم تطبيقات هذه النظرية نظام الGPS الذي يسمح بتحديد مكان جهاز معين على سطح الأرض بدقة . وهنالك أيضا أبحاث تدرس إمكانية السفر عبر الزمن عند هذه الثقوب السوداء . وبالتالي أحد أهم الأهداف الأساسية في برامج أبحاث الفضاء هو اختبار الجانب النظري للعلوم الفيزياء والجيولوجيا والبيولوجيا وغيرها وتطويره . الأمر الذي يسمح بالنتيجة بإيجاد تطبيقات عملية على أرض الواقع بعد تحقيق فهم أعمق وأوسع للجانب النظري .
http://vb.mediu.edu.my/showthread.php?t=32620