الأحد، 9 يونيو 2013

الوسطية في القرآن الكريم "دراسة تحليلية"

الوسطية في القرآن الكريم "دراسة تحليلية"

المقدمة:إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَّ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهََّ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالَْْأرْحَامَ إِنَّ اللهََّ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا.﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهََّ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهََّ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(3).أما بعد:فإن من نعمة الله على هذه الْأمة وتشريفه لها أن جعلها أمة وسطًا خيارًا عدولًا، قال سبحانه: ﴿وَكَذََٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا.وجاء تقرير خيريتها في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهَِّ.ثم اصطفى الله سبحانه وتعالى لها رسولًا من خيارها وأوسطها نسبًا ومكانة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنَفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتِّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ.وأنزل عليها أشرف كتبه، وجعله مهيمنًا على الكتب قبله، شاملًا لخير ما جاءت به، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ.بهذا الرسول الكريم، وهذا القرآن العظيم، وبمتابعتهما، والاهتداء بهديهما، شَرُفَت هذه الأمة، وكانت خير الأمم، وأوسطها، وأعدلها، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ...  الآية.وكان أسعد هذه الأمة باتباعهما، وأحرصهم على هديهما قولًا وعملًا واعتقادًا أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم، ثم تابعوهم، ثم التابعون لهم بإحسان من القرون الثلاثة المفضلة التي شهد لها النبي -صلى الله عليه وسلم- بالخيرة، في قوله: عن زهدم بن مضرب عن عمران بن حصين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (خيرأمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).فهؤلاء هم خيار الأمة، ثم يلحق بهم كل من كان على مثل ما كانوا عليه من الهدى، والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- في كل زمان ومكان إلى قيام الساعة، فهؤلاء جميعًا خيار هذه الأمة، وأوسطها، وأعدلها.وجاء بعدهم قوم مالوا عن الوسطية إلى الإفراط أو التفريط، والإسراف والتقتير، والغلو والجفاء، مما سبب التفرق والاختلاف، فظهرت الخوارج ببدعها، وظهرت الشيعة بغلوها وفتنها، ثم توالى ظهور البدع وتكون الفرق، وتوارثت الْأجيال كثيرًا من الانحرافات العقدية، والسلوكية، وغيرها.وبين هؤلاء وأولئك على مدار الوقت وقفت فئة من هذه الْأمة تقتفي الْأثر، وتصحح المنهج، وتقود الناس الوسطية والاعتدال إلى الصراط المستقيم على منهج أهل السنة والجماعة وسلف الأمة، ينفون عن هذا الدين غلو الغالين، وانتحال المبطلين، وتفريط الكسالى والمرجئين، ودعاوى المرجفين الزائغين. ووسط هذا الواقع المؤلم والاضطراب المهلك تشتد الحاجة إلى تذكير الأمة بالصراط المستقيم المنهج الوسط القويم، وإرشادهم إليه لإنقاذها من كبوتها، وإيقاظها من رقدتها، وتذكير الدعاة والمصلحين بالمنهج الحق والطريق البين الواضح طريق الاعتدال الطريق المستقيم، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ.ولقد تأملت طويلًا قضية الغلو والجفاء، والإفراط والتفريط، وأيقنت أن الأمة بأمس الحاجة إلى منهج الوسطية منقذًا لها من هذا الانحراف الذي جلب عليها الرزايا، والمصائب، والنكبات.ووجدت أن القرآن الكريم، قد رسم لنا هذا المنهج في جميع جوانبه، وفي أساليب عدة؛ تصريحًا وإيماءً، مفصلًا ومجملًا، خبرًا وإنشاءً، وأمرًا ونهيًا.واقتناعًا مني بأهمية هذا الموضوع ومسيس الحاجة إليه، فقد رأيت أن أقدم فيه هذا البحث المتواضع، في موضوع يتعلق "بالوسطية" من خلال البحث في آيات القرآن الكريم، متأملًا في الذكر الحكيم، متفكرًا في دلالاته، محاولًا أن استوعب ما كتبه المفسرون حول تقرير القرآن لمنهج الوسطية وسميته (الوسطية في القرآن الكريم دراسة تحليلية) مقتفيًا طريق أساتذة سبقوني، فكتبوا بتوسع، ولكني أردت إلمام الموضوع واختصاره مراعاة لما وصلت إليه الهمم وعزوفها عن طول القراءة.وكان على رأس من استفدت منهم في هذا البحث شيخي وأستاذي فضيلة الدكتور/ عبد الله بن عبد المحسن التركي في بحثه القيم (الأمة الوسط والمنهاج النبوي في الدعوة إلى الله).وشيخي وأستاذي فضيلة الدكتور ناصر العمر في بحثه القيم بعنوان (الوسطية في ضوء القرآن)، وفضيلة الأستاذ الصلابي في كتابه القيم (الوسطية في القرآن الكريم).وقد تناولت هذا البحث في مقدمة وبابين وخاتمة:الباب الأول: في تعريف الوسطية في اللغة والاصطلاح وأسسها:ويشتمل على فصلين:الفصل الأول: في تعريف الوسطية في اللغة والاصطلاح:ويشتمل على مبحثين:المبحث الأول: معنى الوسطية في اللغة.المبحث الثاني: الوسطية في استعمال الشارع.الفصل الثاني: في أسس الوسطية.ويشتمل على ثلاثة مباحث:المبحث الْأول: الغلو والإفراط.المبحث الثاني: التفريط والجفاء.المبحث الثالث: الصراط المستقيم.الباب الثاني: في ملامح الوسطيةويشتمل على أربعة فصول:الفصل الأول: الخيرية.ويشتمل على مبحثين:المبحث الْأول: أقوال المفسرين في آية الخيرية.المبحث الثاني: أبرز أوجه خيرية هذه الْأمة.الفصل الثاني: في العدل.ويشتمل على مبحثين:المبحث الْأول: أقوال المفسرين في ﴿أُمَّةً وَسَطًا خيارًا عدولًا.المبحث الثاني: وجوب العدل على هذه الأمة.الفصل الثالث: في اليسر ورفع الحرج:ويشتمل على ثلاثة مباحث:المبحث الْأول: تعريف اليسر والوسع في اللغة والاصطلاح.المبحث الثاني: رفع الحرج.المبحث الثالث: أدلة التيسير ورفع الحرج.الفصل الرابع: صور من وسطية الإسلام.ويشتمل على مبحثين:المبحث الْأول: وسطيته في العقيدة.المبحث الثاني: وسطيته في العبادة والأخلاق والتشريع.
الخاتمة: وفيها عرض موجز لما وصلت إليه من نتائج مهمة في هذا البحث، ثم فهرس الموضوعات. وأسأل الله -عز وجل- أن يجعل هذا العمل المتواضع خالصًا لوجهه الكريم، وأن يغفر لي أي خطأ أو زلل وقعت فيه، إنه سميع قريب.

http://magazine.mediu.edu.my/ar/2011...06-15-12-55-52
الملفات المرفقة الملفات المرفقة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق